الدكتورة ٱمنة الرميلي تكشف ” بؤس ” الجامعة التونسية !

تونس. صوت الضفتين
كتبت الروائية والجامعية الدكتور ٱمنة الرميلي تدوينة مطولة على صفحتها الخاصة كشفت فيها ” البؤس ” الذي تعاني منه الجامعة التونسية وضعف الأجور ومعاناة الأساتذة في تأطير رسائل الماجستير واطروحات الدكتوراه بما يجعل من أساتذة الجامعة في مرتبة ” الاسم العالي والمربط الخالي ” على حد وصفها .
وهذا نص تدوينتها :
في بؤس الإشراف على البحوث الجامعية..
ينطبق على الأستاذ الجامعي ذاك المثل التونسي الدالّ “الاسم العالي والمربط الخالي”. ولئن كان “علوّ الاسم” تحقّقه الشهادات العلميّة وإنتاج الكتب وفتح مخابر البحث، فإنّ “خلوّ المربط” أسبابه كثيرة ونتائجه مدمّرة إن في حاضر التعليم الجامعي أو في مستقبله إذا ما استمرّت سلطة الإشراف في سياساتها المعتادة وخططها التي لم تنقذ الجامعة التونسية ولن تنقذها.
نعود إلى وضعية الأستاذ الجامعي التونسي اليوم، وسنتحدّث عن “مربطه الخالي” حتى يحين وقت الكلام في “اسمه العالي”! ونبدأ بإشارة صغيرة إلى راتب الأستاذ الجامعي الضعيف جدّا مقارنة برواتب الجامعيّين في الجامعات الأجنبية حتى نتفهّم “الهجرة الجماعية” في صفوف الجامعيين منذ سنوات وإفراغ جامعتنا من كفاءاتها. فقد يكون حاصلا على قفّة من الشهادات العليا (في حالي أنا: شهادات: الكفاءة في البحث والدراسات المعمّقة والتبريز والدكتوراه والتأهيل الجامعي) ولا يتجاوز راتبه ألف أورو (بالعملة الصعبة من باب المقارنة المرّة!!
دعْنا من راتب الأستاذ الجامعي حتى لا ينقلب الأمر إلى مداخلة نقابيّة ولأحدّثكم قليلا عن “الإشراف” في جامعتنا أو وضعيّة “الأستاذ المشرف”. والمقصود هنا كلّ أستاذ جامعي برتبة أستاذ أو أستاذ محاضر (وأحيانا أستاذ مساعد) يشرف على بحوث الطّلبة سواء في رسائل الماجستير أو أطروحات الدّكتوراه. وهو عمل مضن وشاقّ إذ نصاحب عمل الطّالب الباحث منذ اختيار الموضوع حتى إيداع العمل للمناقشة، وتتمّ العمليّة بالتزام الأستاذ المشرف بقراءة كلّ ما يكتب الباحث وإصلاحه وردّه إلى صاحبه ثم قراءته بعد الإصلاح، يكون ذلك جملة جملة وفقرة فقرة وفصلا فصلا، ويكون باللقاء بالطالب اللقاء تلو الآخر حتى نهاية العمل. وإذا ما كانت رسائل الماجستير تتراوح أحجامها بين 70 و150 صفحة فإنّ أطروحات الدّكتوراه تحوي مئات الصفحات بأخطائها اللغويّة وارتباكاتها المنهجيّة ومحتوياتها العلميّة، ما يتطلّب تفرّغا من الأستاذ الجامعي ليلا ونهارا.
وقد يقول قائل: هذا جزء من عمل الأستاذ الجامعي ونصيب من مسؤوليته وعنه يتلقّى راتبه الشهري فنقول: الأستاذ الجامعي في تونس هو الأستاذ الوحيد في العالم الذي يشرف مجانا تقريبا، ولا يتلقّى عن عمليّة الإشراف أي مقابل مباشر تقريبا، ونقول تقريبا لأنّ الشروط التي تضعها وزارة التعليم العالي حتى يتلقّى الأستاذ المشرف حقّه من منحة الإشراف هي شروط غريبة خاصة في الإشراف على رسائل الماجستير حتى أنني أشرفت على رسائل عديدة جدّا ولم أتلقّ ملّيما واحدا! والحقيقة أنني أكتفي بمشاركة طلبتي فرحة الحصول على هذه الدرجة العلمية ولا ألتفت إلى شيء آخر يأسا من المتابعة والانتظار..
أمّا في الإشراف على أطروحات الدكتوراه ومناقشتها فإنّ الأمر يتطلّب أيّاما دراسية في مختلف الكليات وخاصة كليات العلوم الإنسانية عسى أن ترفع المظلمة. يكفي أن نفتح ملفّ لجان المناقشة في كلّيات الآداب حتى يصيبنا الدوار! تتكوّن لجنة مناقشة الدكتوراه من خمسة أعضاء: مشرف ومقرّريْن ورئيس لجنة وعضو، وينبغي أن تكون الرّتب العلميّة في اللجنة كالتالي: ثلاثة أساتذة تعليم عال وأستاذين محاضرين. ومع كلّ أطروحة تودع للنقاش تبدأ حمّى تكوين اللجان، فالنصاب لا يتوفّر بسهولة في كل كلية والرسائل عديدة واللجان كثيرة، ألو فلان؟ ألو فلانة؟ ألو صفاقس. ألو سوسة.. ألو تونس، ألو مدنين.. ونهبّ إلى بعضنا بعض، من سوسة إلى صفاقس ومن صفاقس إلى تونس، ومن مدنين إلى سوسة بالسيارات الخاصة بالنقل العمومي باللّواج.. كلّه على حسابنا الخاص ومن دون أيّ مقابل رغم جهد القراءة والتقويم والتقرير والإصلاح والمناقشة، ليس من مقابل إلا هذا الضمير الأكاديمي الحيّ الذي يكاد يميتنا أحيانا.
قصّتان حقيقيتان:
القصة الأولى: حدّثني الأستاذ الجليل محمد الخبو أنّه انتقل من صفاقس إلى العاصمة باللّواج ثم بالتاكسي لمناقشة أطروحة دكتوراه بمنّوبة أو بـ9 أفريل، وأنه اشترى قهوته من مشرب الكلية قبل المناقشة واشترى لمجة بعد المناقشة التي تدوم ما بين 4 و5 ساعات وأحيانا أكثر، قبل أن يركب في التاكسي إلى محطة اللوّاجات ومنها إلى صفاقس، بما أنّ ميزانية وزارة التعليم العالي أوقفت مصاريف المناقشة من تنقّل وفطور.
القصة الثانية:
استجابت الأستاذة العزيزة نور الهدى باديس للمشاركة في لجنة مناقشة طالبة أشرف عليها. المناقشة تبدأ الساعة التاسعة صباحا وعلى الأستاذة نور الهدى أن تأتي من العاصمة إلى سوسة قبل هذا الوقت، وحدث أن ضاعت قليلا في الوصول إلى سوسة ولكنها وصلت بسلامة إلى كلّيتنا بسيارتها الخاصة طبعا وعليها مصاريف البنزين وضريبة الطريق السيارة وغير ذلك، كلّ هذا فقط من أجل العلم والطلبة والجامعة التونسية، فالمفروض أنّ وزارة التعليم العالي توفّر النقل للأساتذة المسهمين في مناقشة الأطاريح وملفّات التأهيل من مسافات بعيدة، وعليها أن تسمح للكليات بتوفير واجب الغداء الذي يوفّره الزملاء لبعضهم بعض قدر الإمكان.
الإشراف ولجان المناقشة في تونس؟ بؤس في بؤس في بؤس.. وصمت الأساتذة على حقوقهم هو البؤس الأكبر!
آمنة الرميلي



