قطاع التبغ بين فوضى السوق وشبهات الانحياز: من يحمي التهريب ومن يخنق المنافسة؟

لم يعد ما يحدث في قطاع التبغ مجرد اضطراب عابر في التزويد أو إشكال إداري تقني، بل أصبح ملفًا يثير تساؤلات ثقيلة حول طريقة إدارة السوق، وحول المستفيد الحقيقي من استمرار حالة الاختلال. في الوقت الذي تتفاقم فيه ظاهرة تهريب السجائر بشكل غير مسبوق، وتُغرق السوق المحلية بمنتوجات خارج المسالك القانونية، تبدو آليات الردع ضعيفة أو غير كافية.
هذا الواقع يطرح سؤالًا مشروعًا: كيف يستمر هذا النزيف دون مراجعة جذرية للسياسات المعتمدة؟ الأخطر أن السوق المنظمة لا تعرف في المقابل انفتاحًا يحدّ من السوق الموازية. فقد تم خلال الفترة الأخيرة تعطيل أو عدم تمكين بعض الماركات الأجنبية من النفاذ القانوني إلى مسالك التوزيع، وهو ما أدى إلى تضييق دائرة المنافسة وإفراغ السوق من التنوع الطبيعي الذي يكبح الاحتكار.
هذه المعادلة المختلة — تهريب يتوسع، وتراخيص تُقيَّد — تصبّ عمليًا في مصلحة أطراف محددة، خاصة في فئة السجائر الفاخرة. وهو ما يفتح الباب أمام شبهة انحياز إداري أو سوء تصرف استراتيجي في إدارة القطاع. المسألة هنا لا تتعلق باتهامات مجانية، بل بوقائع اقتصادية واضحة: خسائر جبائية تتفاقم، سوق موازية تتغوّل، منافسة مشروعة تُخنق، وتوازن قطاع استراتيجي يهتزّ. وعندما تتزامن هذه العناصر تحت إشراف إدارة واحدة، فإن المسؤولية والإدارية تصبح أمرًا لا يمكن تجاهله.
الرأي العام اليوم من حقه أن يعرف: كيف تُمنح التراخيص؟ ما هي معايير إدماج العلامات الجديدة؟ من يراقب مسالك التوزيع؟ ولماذا تستمر السوق الموازية في التمدد رغم الطابع الاحتكاري المنظم للقطاع؟
إن حماية الاقتصاد الوطني لا تكون بغلق السوق أمام المنافسة القانونية، ولا بترك المجال للتهريب كي يتحول إلى لاعب رئيسي في المشهد. المطلوب اليوم ليس سجالًا، بل شفافية كاملة: تدقيق مستقل، نشر المعطيات، ومساءلة واضحة لكل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لقطاع حيوي هو أن تتحول الإدارة من أداة تنظيم إلى عنصر في معادلة الاختلال.



