نزار الجليدي يكتب:سوريا و الإرهابي ببدلة مدنية: يا صفيق الوجه ما أصفق وجهك - صوت الضفتين

نزار الجليدي يكتب:سوريا و الإرهابي ببدلة مدنية: يا صفيق الوجه ما أصفق وجهك

من زعيم جبهة النصرة إلى منصة الأمم المتحدة، يجسد أبو محمد الجولاني — الذي صار يُعرف بأحمد الشرع — صورة التطبيع مع تفتيت سوريا. بتفويض غير معلن من إسرائيل، وبمباركة من واشنطن، يقود عملية “فيدرالية الحرب” أطفأت ما كان يُعتبر يومًا منارة الوحدة العربية.

مجازر منسيّة، بدلة أنيقة، ومنبر أممي: “الأمير” السابق يتقدّم بصفته رئيس دولة، مرفوعًا على أكتاف داعميه الصهاينة. سوريا لم تعد دولة موحّدة، بل كانتونات تحت وصايات متقاطعة حيث تمتزج “الازدواجية الاستراتيجية” (كما يسمّيها الأمريكان) بالدبلوماسية. أُزيل اسمه من لوائح الإرهاب، صافحه ترامب في ماي، وينتظر أن يخطب في نيويورك في سبتمبر. إرهابي الأمس صار رئيسًا معترفًا به. لكن صعوده ليس سوى واجهة لبلكنة ممنهجة، حيث ترسّخ إسرائيل طوقها الأمني ويُكرّس الغرب نهاية سوريا الواحدة الموحّدة.

من النصرة إلى الرئاسة: تطبيع “الإرهابي النافع”

أبو محمد الجولاني، اسم حُفر بالدم وارتبط بالولاء للقاعدة، هو نفسه الذي يقدم اليوم نفسه بوجه أكثر نعومة: أحمد الشرع. الرجل الذي قاد “جبهة النصرة”، ثم أعاد تدويرها في “هيئة تحرير الشام”، لم يتوقف يومًا عن الاعتقالات التعسفية والإعدامات الميدانية والتطهير العرقي. ومع ذلك، فإن “إعادة التغليف” أثمرت: في جويلية 2025، رفعت واشنطن هيئة تحرير الشام من قائمتها السوداء للمنظمات الإرهابية. وزارة الخارجية الأمريكية بررت القرار بأن “الأولويات الأمنية تغيّرت”، وفق إعلان نُشر في السجل الفدرالي. خلف هذه اللغة البيروقراطية، تحوّل جذري: الرجل الذي كان رمزًا للرعب صار يُعامل كشريك سياسي.

المسرحية تسارعت في الربيع. في 14 ماي، التقى دونالد ترامب الشرع في الرياض، قبل أن يتوجه إلى الدوحة، رابطًا أي تخفيف للعقوبات بمسار “التطبيع مع إسرائيل”. المشهد كان صادمًا: رئيس أمريكي يجلس أمام إرهابي، يتحدث عن مستقبل الطاقة والاستقرار، وكأن التغيير في الصورة يمحو المقابر. هذه الشرعنة الدبلوماسية فتحت الباب لطقس آخر: في أواخر سبتمبر، الشرع سيصعد منصة الأمم المتحدة في نيويورك. تكريس رمزي لعملية عبثية: إرهابي في بدلة رئاسية، يتكلم باسم بلد ممزق الحدود.

التحول ليس سرديًا فقط، بل وظيفيًا. تقارير قوة الأمم المتحدة لمراقبة الجولان (UNDOF) وثّقت منذ سنوات “اتصالات متقطعة” بين جماعات متمردة — بينها فصائل مرتبطة بالهيئة — والقوات الإسرائيلية، لنقل جرحى أو لتنسيق لوجستي حسب تعبيرها. هذه التبادلات “التقنية” تكشف الحقيقة: إسرائيل وجدت في الهيئة حاجزًا مناسبًا لإدارة مناطق حدودية. أما الأمريكيون، فبات لديهم “شريك مفيد” يضمن استمرار تفتيت سوريا من دون الحاجة لإعادة تأهيل دمشق أو نشر قواتهم.

هذا التطبيع الإعلامي صُمّم بعناية. منذ 2020، نظم الجولاني مقابلات صحفية مطوّلة، بملابس مدنية، في مجلات غربية مثل “Frontline”، محاولًا الانتقال من خطاب الجهاد العابر للحدود إلى صورة زعيم محلي مسؤول. مراكز بحث أمريكية أصدرت تقارير تدعو إلى “التعامل مع الهيئة”، معتبرة إياها “أهون الشرّين” مقارنة بداعش و”صمام أمان ضد الفوضى”. المسار كان واضحًا: شيطنة أقل، إدارة أكثر.

لكن خلف الطلاء، الجوهر لم يتبدل. تقارير “هيومن رايتس ووتش” ولجان التحقيق الأممية ما زالت توثّق الانتهاكات: تعذيب، إخفاء قسري، مجزرة دروز قلب لوزة، قمع المجتمع المدني. الواجهة الرئاسية لا تمحو حقيقة أن الرجل الذي يستعد لخطاب في الأمم المتحدة بنى سلطته على الرعب والإرهاب.

هذا التناقض ليس خطأ عابرًا، بل خيار سياسي مدروس: استخدام الجولاني/الشرع كأداة لتفتيت سوريا. شرعنته من واشنطن، تغطية من تل أبيب، ومنبر في نيويورك. تطبيع لا يهدف إلى السلام، بل إلى ترسيخ تقسيم لا رجعة فيه.

من نظرية الفدرالية إلى الحرب الّامركزية

 

لسنوات طويلة، كان “الفدرالية السورية” يُناقَش كاحتمال دستوري مطروح على طاولة التسويات. اليوم، لم يعد مجرد مشروع قانوني، بل واقع مفروض: سوريا ممزقة إلى مناطق نفوذ، كل منها يُدار بوصاية أجنبية أو عبر وكيل محلي. أبو محمد الجولاني، الذي غيّر اسمه إلى أحمد الشرع، بات أحد الأعمدة الرئيسية في هذا التقسيم.

في الشمال، الحدود مع تركيا تحولت إلى منطقة تحت السيطرة المباشرة لأنقرة. الجيش التركي حاضر، وميليشيات تابعة له تتولى الأمن، وإدارة موازية تُسيّر المدارس والبنى التحتية والتجارة. الأعلام التركية ترفرف فوق مبانٍ رسمية في جرابلس وعفرين، في إشارة صريحة إلى أن تركيا لم تعد تكتفي بالنفوذ، بل تمارس وصاية كاملة.

في الشرق، منطقة “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” (AANES)، المدعومة من الولايات المتحدة، تعمل كدولة موازية. قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على الأرض، فيما الجنود الأمريكيون يتمركزون لحماية آبار النفط في دير الزور والحسكة. واشنطن تضمن إمداداتها الطاقوية وتمنع دمشق من استعادة مواردها الحيوية.

في الجنوب، هضبة الجولان ومحيطها تمثل منطقة عسكرية إسرائيلية. منذ عقود، تحتل إسرائيل جزءًا من الأراضي السورية، واليوم تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر شبكات محلية درزية أو مجموعات متمردة للحفاظ على “منطقة عازلة”. تقارير الأمم المتحدة رصدت مرارًا “اتصالات طبية أو لوجستية” عبر الحدود بين القوات الإسرائيلية والمعارضة السورية. هذه الشبكة المترابطة تمنع أي عودة للسيادة السورية هناك.

أما في الشمال الغربي، فالكلمة العليا لهيئة تحرير الشام. جهازها متكامل: جباية، شرطة، قضاء، وخدمات. مناطق إدلب ومحيطها باتت كيانًا شبه دولتي، يحكمه جنود الجولاني، ويُعترف به ضمنيًا من كل طرف يسعى إلى وقف إطلاق نار أو إلى تمرير مساعدات إنسانية.

هكذا تعمل آلية “الكانتنة”. فالتقسيم لم يكن مصادفة، بل حصيلة اتفاقات محلية وهدن متقطعة و”مقاولات أمنية” مكشوفة إن صح التعبير. الرعاة والعرّابون — تركيا، الولايات المتحدة، إسرائيل — يعتمدون على ميليشيات أو إدارات أهلية لتأمين مناطقهم. العنف الطائفي الذي استمر أكثر من عقد دفع العلويين والدروز والمسيحيين والسنة إلى الانكفاء على مناطقهم الخاصة. النتيجة: فسيفساء من “الذوات” المستقلة بحكم الأمر الواقع، كرّستها الحرب.

المشهد الحالي يُعيد إلى الأذهان تقسيمات الإحتلال الفرنسي، حين حاولت باريس تفتيت سوريا إلى كيانات طائفية: دولة درزية، دولة علوية، دولة للجزيرة. الإرث الاستعماري عاد ليفرض منطقه: قسّم لتسيطر، جزّئ لتشلّ.

لذلك، ما يُسمى اليوم “فدرالية” ليس ثمرة حوار وطني أو عملية ديمقراطية. إنها فدرالية حرب، نتاج القوة والاحتلال والوصاية الأجنبية. كل “كانتون” تابع لراعٍ خارجي، ودولة دمشق لم يبقَ لها سوى دور رمزي. سوريا الواحدة التي كانت يومًا قلب العالم العربي الثقافي والسياسي، تحولت إلى أحجية متكسّرة، مستقبلها غامض وتُدار بالوكالة.

المنارة المطفأة: نهاية المرجعية القومية العربية والنفاق الغربي

لم تكن سوريا يومًا بلدًا عاديًا. دمشق كانت مركزًا فكريًا، مكانًا تُترجم فيه روائع الأدب، وتُنتَج فيه الدراما والرسوم المتحركة التي صنعت وجدان أجيال من المحيط إلى الخليج. كما كانت بغداد من قبلها، جسّدت العاصمة السورية منارةً: فضاءً يتجدد فيه اللسان العربي، ومصدرًا لتخيّل مشترك يجمع المغارب بالمشارق. تلك المنارة انطفأت. تفتيت البلد حوّل هذا الرمز الثقافي إلى أنقاض، والوحدة الوطنية صارت ذكرى لا أفقًا.

المقارنة مع العراق واضحة. هناك أيضًا، الاحتلال والطائفية وتفويض الميليشيات مزّق الدولة الواحدة. السيادة توزعت بين قوى محلية وأخرى خارجية، والفدرالية التي كُرست في الدستور لم تكن سوى غطاء لتفتيت دائم. في سوريا، المسار هو نفسه لكن أشد قسوة: الجولاني، الذي أعاد تسمية نفسه أحمد الشرع، صار أداة هذا التّوجه.

النفاق الغربي يتجلى في ثلاث طبقات. أخلاقيًا: يُشجب الإرهاب بينما تُعاد رسكلة زعيم جهادي ليُصبح “رئيسًا مقبولًا”. سياسيًا: تُكرَّر الشعارات عن “وحدة الأراضي السورية” فيما يُعترَف عمليًا بالتقسيم، وكل طرف يحرس منطقته. إعلاميًا: يُتداول خطاب “الاستقرار المحلي” أو “السلام البراغماتي” بينما الحقيقة هي تثبيت خطوط النار.

أن يقف رجل مثل الجولاني، الزعيم السابق للقاعدة في سوريا، آخر سبتمبر على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة مرتديًا بدلة رئيس، يلخص كل المفارقة. فهو لا يمثل دولة ذات سيادة، بل يجسد صورة سوريا المفككة: شمالًا تحت قبضة تركيا، جنوبًا خاضعًا للضغط الإسرائيلي، شرقًا محميًا بالمظلة الأمريكية. وجوده في نيويورك ليس حضور رئيس دولة شرعي، بل تكريس لوكيل مفروض.

خطابات “الاستقلالية الاستراتيجية” أو “السلام بالتفاوض” لا تغير الواقع: سوريا فقدت موقعها كقلب نابض للعالم العربي. تحولت إلى أحجية، كل قطعة منها ممسوكة بيد راعٍ خارجي. اللعبة الجارية في دمشق ونيويورك لا تهدف إلى استعادة السيادة، بل إلى ترسيخ فدرالية حرب لا رجعة فيها. المنارة أُطفئت، ومن يدّعي إعادة إشعالها عبر شرعنة الجولاني لا يفعل إلا تكريس العتمة، دون اعتبار وقاحة مقترح مثل تكريس حكم إرهابي.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

French