الطّعام والشّراب في التراث العربي : أنتروبولوجيا الحياة اليومية…
تونس .صوت الضفتين. كتب نورالدين بالطيب

في حوالي 800 صفحة ، وبعد عشرين عاما من مناقشتها في كلية الآداب والفنون والأنسانيات بمنّوبة صدرت أطروحة الدكتورا التي قدّمتها الدكتورة سهام الدبّابي الميساوي بعنوان ” الطّعّام والشّراب في التراث العربي ” وكانت الدكتورة الدبّابي قدّمتها لنيل الدكتورا في الحضارة العربية تحت أشراف الدكتور عبد المجيد الشرفي .
هذه الأطروحة التي صدرت مؤخرا في طبعة ثانية تعتبر من أهم الأطروحات التي نوقشت في الجامعة التونسية في السنوات الأخيرة إذ بحثت الميساوي عن ” تأصيل ” اليومي الذي يمارسه الأنسان أكلا وشربا في ثنايا النصوص التراثية التي أهتمّت بهذا السلوك الأنساني ، إذ أنّ هذا المبحث هو في الأصل بحث في ” حياة النّاس ” كما قالت الدكتورة في تقديمها “تستهوينا في هذه الكتب – المقصود المتن الذي أعتمدته الميساوي – حياة النّاس الأليفة الرتيبة ويعجبنا الحفل والأنس واللّعب ونحبّ البحث في المهمل والجمع بين درس الواقع والمتخيّل ” فلا ” حياة بدون أكل وشرب ولا أكل ولا شرب دون أجتماع “
وأهمية هذا البحث أيضا ، ندرة المؤلفات- ليس في الثقافة العربية فقط – التي أعتنت بطقوس الحياة اليومية وأبعادها الثقافية كما تشير إلى ذلك في مقدمة كتابها الذي قسّمته إلى أربعة أبواب أنطلقت فيها من ” الحلال والحرام في الخبائث والطيبات ” وفي هذا الباب الأوّل تطرّقت إلى الشّراب وهو الخبيث والمقدّس والمدنّس كما تناولت اللحوم منها لحم الخنزير والدّم والميتة واللّحم الخبيث ولحوم الذبائح والقرابين وتتوقّف الميساوي عند تحريم القرآن لأكل لحم الخنزير في سورة النّحل والبقرة وهو تحريم واضح لا لبس فيه وتقول الباحثة ” لم نجد فيما أطلعنا عليه من مصادر تؤرخ لفترة ما قبل الأسلام ما يشير إلى أصطياد العرب الخنزير البريّ ولا تربيتهم للأهلي ، ولم تعثر على نصوص فيها ذكر لأكلهم له وتعوّدهم عليه ” وتذكر الدكتورة سهام أن الجاحظ ذكر أن أكل لحم الخنزير كان مقتصرا على ” من تنصّر من كبار القبائل ” وترى أن البيئة الصحراوية شديدة الحرارة لم تكن مناسبة لتربية الخنزير ولا لعيشه ولكن قد تكون بعض القبائل التي تعيش على ضفاف الفرات وكذلك العرب المستقرّون في الأقاليم الشاميّة كما أنّه محرّم حتّى في اليهودية .ولم تقدّم الباحثة أجابة حاسمة في مسألة التحريم لكنّها قدّمت مجموعة من الاستنتاجات متصلّة بالمخيال العربي الأسلامي الذي يربط بين الخنزير والدواعي الصحية للتحريم .
وفي الباب الثاني من الأطروحة أهتمت ب” النيئ والمطبوخ في الطبيعة والثقافة وفيها هذا الباب تناولت مجموعة من المسائل المتّصلة بالحياة اليومية وبعض المأكولات والمشروبات والأطباق في الحياة البدوية مثل التّمر واللّبن والدقيق والكمأة والجراد وتوقّفت عند ” طبيخ المسلمين في الصناعة والفن ” .
أمّ الباب الثالث فتناولت فيه ” النّافع والضّار في الصّحة والمرض ” وأشارت إلى النّسق الغذائي ” كما ورد في التراث الطبّي وفهم المعايير والمبادئ التي أستند إليها الأطباء في تصنيف الأطعمة والأشربة ” كما توقّفت في هذا الباب عند غذاء الحامل وغذاء النّفساء والمرضع وعند الأغذية النباتية وأكل الحيوان الطائر والحيوان السابح والعسل .
وخصّصت الباب الرابع من الكتاب إلى أحتفالية الأكل والشّراب ” الحفل في الأدب و اللّهو وثقافة الولائم والضيافة والمآداب في الأعراس وطقوس رمضان والحج وشراب اللذة .
وترى أن هناك طقوسا أحتفالية في هذه المواكب والمآداب وتقول في هذا السياق عن أختيار يوم السبت كموعد أسبوعي للأحتفال ” لقد قسمت أيّام الأسبوع ( على أقسام من اللّذة والاستمتاع بطيب العيش والتصرّف في أطوار الحياة فكان يوم السّبت منها مخصّصا للصيّد والشّراب والخروج إلى البساتين والمنتزهات ) ” وتتساءل ” ولا ندري أكانت عادة الشّرب في السبت مأخوذة عن الفرس أم عن راحة اليهود فيه وأحتفائهم بالخلق أم كانت للسّبت صلة بكوكب الشمس أو السّعد ” .
وترى الدكتورة سهام الدبابي الميساوي أنّ ” التراث سمح لنا بأكتشاف الأغذية التي كان العرب والمسلمون يأكلونها والعناصر الأساسية التي تكوّن طبيخهم وطرق طهيهم الطّعام وصناعتهم الشّراب ” وقد تغيّرت حال العرب وعاداتهم في الأكل والشّراب بين ما قبل الأسلام والعهود الأمويّة والعبّاسية والأندلسية إذ أصبحت الموائد أكثر ثراءا وهو ما يمكن تفسيره بالثراء الثقافي ” فقد حافظت كل بلاد على أصول طبيخها وأستعارت العادات الدّخيلة ، وأنصهرت الأقوام المهاجرة بدورها في الثقافات المحلية متبنيّة نماذج جديدة “
ولم يحدث هذا بعيدا عن تطوّر علوم الفلاحة وتبادل السّلع بين الأقطار والأمصار الأسلامية وتؤكد أن التراث العربي ” لم يقدّم العرب أمّة معزولة عن غيرها ولا مختلفة عن الساميين . وما كان يميّزها هو شرب اللّبن والنبيذ وأكل التمر والدقيق ولحوم الإبل ونحر القرابين في مواسمها “
فالكتاب أضافة مهمّة للمكتبة العربية وهو بحث أنتروبولوجي أساسا فالأكل والشّراب من أسس ثقافة الشعوب وعاداتها وتقاليدها وهو ما أشار إليه الدكتور عبد المجيد الشّرفي في تقديمه للكتاب الذي أعتبر أن هذه الاطروحة التي صدرت في كتاب ” إضافة حقيقية إلى معرفتنا بتراثنا وحضارتنا وواقعنا في آن “
فالكتاب بحث في الحياة اليومية للعرب والمسلمين كما وصلتنا عبر كتب التراث والمدونة الدينية ففي الظاهر تهتم الدراسة بالشّراب والطعّام في تراثنا العربي لكنّها تدرس كل نواحي الحياة العربية .



