نزار الجليدي يكتب لكم/ إيران – الولايات المتحدة: حرب مع وقف التنفيذ

تهديدات من واشنطن، رسائل متضاربة من طهران، ودبلوماسية إقليمية في حالة استنفار: الشرق الأوسط دخل مرحلة خطرة، ليست فيها الحرب قريبة بالضرورة، لكن لا أحد يمسك فعليًا بمقود التصعيد. خلف الخطابات الرسمية، تتحرك سلسلة من الاحداث، تحول فيها الترهيب إلى أداة حكم وضغط.
أخطر ما في الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران ليس الكلام، بل الأفعال. تحركات عسكرية، إنذارات علنية، وساطات طارئة، بيانات تهدئة، وتهديدات مفضوحة… كل ذلك يتراكم ليعطي وهمًا بأن الفوضى روتينية او بالأحرى تحت السيطرة. في الواقع، المنطقة تنزلق نحو وضع قد تشعل فيه زلة واحدة دوامة لا يمكن وقفها.
واشنطن اختارت التصعيد المنهجي. طهران تواجهه بصلابة محسوبة، وتترك في الوقت نفسه نوافذ مفتوحة للمناورة. بين الطرفين، تتحرك دول المنطقة ووسطاؤها لمحاولة منع الانفجار. قطر، تركيا، روسيا، ودول الخليج تكثف الاتصالات، لأنها تعرف أن صدامًا مباشرًا بين واشنطن وطهران لن يكون حربًا إضافية، بل هزة عالمية.
هذا الاشتباك لا يدور حول الملف النووي فقط. هو صراع على موقع إيران في التوازن الإقليمي، على مصداقية تهديدات ترامب، وعلى قدرة دول الشرق الأوسط على ألا تُسحق بين قوى أكبر منها. السؤال الحقيقي لم يعد هل الحرب ممكنة، بل لماذا تواصل الأطراف المعنية التحرك كما لو أنها خيار مشروع.
الاستراتيجية الأمريكية: التهديد المنهجي
منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تغيّرت طبيعة السياسة الأمريكية تجاه إيران. لم تعد قائمة على إطار دبلوماسي، ولا حتى على تفاوض مشروط. باتت ترتكز على فكرة واحدة: رفع منسوب الخوف أسرع مما تستطيع طهران تحمّله.
في الخطاب، يظهر ذلك عبر إنذارات علنية. وعلى الأرض، عبر استعراض قوة متواصل في الخليج وحول العراق. ولا يمكن فصل ذلك عن احتجاجات جانفي داخل إيران، التي جرى تغذيتها بوضوح من الخارج. الرسالة مقصودة في غموضها: واشنطن لا تقول إنها تريد الحرب، لكنها تتصرف كما لو أنها مستعدة لإشعالها. هذا الغموض ليس صدفة. إنه أداة.
المنظّرون الأمريكيون يسمّون هذا “madmantheory” نظرية (استراتيجية) الرجل المجنون. الخصم يجب أن يقتنع بأن الرئيس الأمريكي قادر على قرارات غير عقلانية، غير متوقعة، وربما انتحارية، حتى يرضخ قبل أن تقع الكارثة. ترامب استخدمها سابقًا مع كوريا الشمالية ومع السعودية في ولايته الأولى، وضد فنزويلا والاتحاد الأوروبي في ولايته الحالية. واليوم يحاول إعادة إنتاجها مع إيران.
المشكلة أن هذه الطريقة تصطدم بواقع الشرق الأوسط. إيران ليست دولة معزولة، بل عقدة شبكة من علاقات وتحالفات ومصالح إقليمية. عندما ترفع واشنطن نبرة التهديد، لا يتفاعل الإيرانيون وحدهم، بل العراق، والخليج، ولبنان، والصين، وروسيا، وأسواق النفط، وخطوط التجارة العالمية.
برفعه سيف التهديد، يريد ترامب فرض ميزان قوة مباشر. لكنه يتناسى حقيقة أساسية: كلما شعر الخصم بأنه محاصر، تراجعت قابليته للتنازل. التاريخ واضح: الدول التي ترى وجودها مهددًا تميل إلى المقاومة لا إلى الخضوع.
هنا يكمن الخطر. سياسة “الضغط العالي” يُفترض أن تمنع الحرب عبر دفع إيران للرضوخ للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية. لكنها قد تفعل العكس تمامًا، إذا أقنعت طهران بأنها لم يعد لديها ما تخسره.
إيران بين الصلابة والانفتاح المحسوب
أمام الضغط الأمريكي، تعزف إيران لحنًا أكثر تعقيدًا مما يبدو. في الواجهة، الخطاب متشدد. المسؤولون الإيرانيون يكررون أنهم لن يتفاوضوا تحت التهديد، وأن أي هجوم سيقابل برد “ساحق”. هذه اللغة لا تُوجَّه إلى واشنطن فقط، بل إلى الداخل أيضًا، في بلد تمزقه توترات اجتماعية وسياسية عميقة.
لكن في الخلفية، تمر رسالة مختلفة. شخصيات مركزية في النظام، وعلى رأسها علي لاريجاني، تتحدث عن “تقدّم” في بلورة إطار للنقاش. اختيار الكلمات دقيق: لا إعلان عن مفاوضات وشيكة، بل إشارة إلى أن الباب لم يُغلق، شرط أن يستقر ميزان القوة.
هذه الازدواجية تخدم منطقًا داخليًا. السلطة في طهران مطالبة بأن تبدو صلبة، خصوصًا في ما يتعلق بالقدرات العسكرية والصاروخية، وفي الوقت نفسه بتفادي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ستكون مكلفة اقتصاديًا وسياسيًا. التفاوض ممكن، لكن دون الظهور بمظهر المتراجع. بمعنى أوضح: إيران مستعدة للكلام مع ترامب، لكنها لا تريد لإسرائيل أن تكون طرفًا في هذا الحوار، لذلك تبني دبلوماسيتها صمامات أمان.
لهذا أيضًا تصرّ طهران على الوساطات الإقليمية. عبر قنوات مثل قطر، أو بالحفاظ على خطوط مفتوحة مع موسكو، تحاول نقل النقاش خارج المواجهة الثنائية مع واشنطن. الهدف كسب الوقت، تخفيف الضغط، وتحويل إنذار إلى طاولة نقاش مطوّلة.
الرهان محفوف بالمخاطر، لكنه ليس عبثيًا. يقوم على حقيقة بسيطة: أمريكا قادرة على الضرب، لكنها عاجزة عن فرض نظام إقليمي جديد بلا شركاء ولا وسطاء. إيران تراهن على الزمن، وعلى توازنات المنطقة، وعلى إرهاق خصمها الاستراتيجي. رهان نجح سابقًا. وإضافة إلى ذلك، إيران اعتادت العيش في شبه اكتفاء ذاتي، ولا تبني حساباتها الآنية على وعود تخفيف العقوبات.
الدبلوماسية الإقليمية في سباق مع الحرب
العنف المحتمل في المواجهة بين واشنطن وطهران فجّر رد فعل فوريًا في المنطقة. بخلاف القوى الكبرى، دول الشرق الأوسط لا تملك خيار الحياد. حرب بين الولايات المتحدة وإيران لن تكون صراعًا نظريًا. ستجري في أجوائها، على ممراتها البحرية، داخل مدنها واقتصاداتها. وقد رأينا ذلك بوضوح في جوان 2025.
لهذا تحركت الدبلوماسية الإقليمية بسرعة. قطر تحولت إلى قناة مركزية، تستقبل الرسائل وتنقلها بين الطرفين. تركيا تكثف اتصالاتها. روسيا تلعب دورًا هادئًا لكنه فعّال. دول الخليج، حتى القريبة تاريخيًا من واشنطن، أوضحت أنها لا تريد أن تكون قاعدة خلفية لهجوم على إيران.
هذا القلق يكشف حقيقة بسيطة: لا أحد في المنطقة يعتقد أن حربًا كهذه يمكن ضبطها. ضربة أمريكية ستستدعي، شبه آليًا، ردودًا غير مباشرة عبر العراق، ولبنان، والخليج، والمضايق الاستراتيجية. أسواق النفط ستضطرب فورًا. طرق التجارة ستدخل دائرة الخطر. توازنات الداخل في أكثر من دولة ستتزعزع.
ومع ذلك، لهذه الدبلوماسية الطارئة سقف. فهي عاجزة عن كسر منطق القوة الذي فرضته واشنطن. الوسطاء قادرون على إبطاء التصعيد وفتح هوامش تنفّس، لكنهم لا يستطيعون تعويض قرار استراتيجي أمريكي. طالما يعتبر البيت الأبيض التهديد أداة طبيعية، يبقى كل مسار تفاوض هشًا. الولايات المتحدة نشرت بالفعل حاملة طائرات ثانية، وترامب سيطالب بنتائج لتبرير الكلفة.
هكذا تجد المنطقة نفسها في وضع متناقض. تفعل كل ما بوسعها لتفادي الحرب، لكنها لا تملك القدرة على استبعادها. أقصى ما تستطيع فعله هو محاولة تفكيكها، يومًا بعد يوم، ورسالة بعد رسالة.
العراق: ساحة الصراع السياسي بين واشنطن وطهران
الأزمة الراهنة لا تُدار فقط بين إيران والولايات المتحدة. إسقاطاتها الأشد تظهر في العراق، بلد هش، مفكك، تحوّل إلى أحد أهم ميادين الاشتباك غير المباشر بين القوتين.
التهديدات الأمريكية التي تستهدف فاعلين سياسيين عراقيين، خاصة في ما يتعلق بترشيح نوري المالكي المدعوم من الكتلة الشيعية، كاشفة لحقيقة هذا الضغط. واشنطن لم تعد تكتفي بمحاصرة إيران عسكريًا. هي تعمل أيضًا على تقويض شبكات نفوذها السياسي في المنطقة. والعراق، حيث القوى القريبة من طهران لاعب أساسي، يتحول إلى ورقة ضغط.
بالنسبة للعراقيين، هذا وضع قابل للانفجار. البلد يحاول لملمة نفسه بعد سنوات من الحروب والفوضى، مع الحفاظ على توازن دقيق بين علاقته بواشنطن وجاره الإيراني. التهديدات الأمريكية بتقليص الدعم أو المساعدة إذا فازت شخصيات تُعد قريبة من طهران تضع العراق أمام معضلة بلا مخرج: إرضاء واشنطن مع خطر تفجير المشهد الداخلي، أو التمسك بالسيادة مع احتمال التعرض لعقوبات وضغوط، وهو خيار يصبح واقعيًا أكثر لأن للعراق اليوم هامش قرار سيادي نسبي.
هذا اللعب بالنار يبيّن إلى أي حد تتجاوز الأزمة الملف النووي. هي تمس بنية السلطة في الشرق الأوسط نفسها. بمحاولة إعادة تشكيل العراق، ترسل الولايات المتحدة رسالة إلى إيران: لا وجود لمرتكزات إقليمية محصنة. لكن لهذه الرسالة ثمنًا. فهي تعمّق شعور الحصار داخل إيران، وتغذي قناعة بأن بقاء النظام والدولة يمر عبر المواجهة، لا عبر التنازل.
في هذا السياق، كل توتر سياسي في العراق يتحول إلى إشارة موجهة إلى طهران. وكل رد إيراني يُقرأ في واشنطن كاستفزاز. العراق، العالق في الوسط، يتعرض لضغط قد ينفلت بسهولة.
فخّ التصعيد
ما يجعل الوضع الراهن شديد الخطورة ليس وجود نية معلنة للحرب، بل تراكم الإشارات والتهديدات وردود الفعل الذي يحبس كل طرف داخل منطق لا يمكنه التراجع عنه.
استراتيجية ترامب تقوم على فكرة واحدة: رفع الضغط إلى أن ترضخ إيران. لكن هذا الافتراض يقوم على تصور واشنطن للعقلانية، أي أن طهران ستكون مستعدة لقبول إهانة سياسية لتفادي الصدام. تاريخ إيران، كما تاريخ دول كثيرة في المنطقة، يقول العكس تمامًا. كلما بدا التهديد وجوديًا، تحولت المقاومة إلى واجب داخلي.
إيران اليوم في هذا الموقع. الحديث عن “رد ساحق” ليس استعراضًا فارغًا. هو رسالة محسوبة: أي ضربة أمريكية ستكون كلفتها باهظة إلى درجة تجعلها غير قابلة للتحمّل سياسيًا واستراتيجيًا. هذه هي منطقية الردع غير المتكافئ، حيث يُعوَّض ضعف القوة العسكرية المباشرة بضمان فوضى إقليمية.
هنا تنقلب “نظرية الرجل المجنون” على صاحبها. حين يسعى ترامب إلى الظهور كطرف غير متوقع وخطير، يعزز في المقابل قناعة طهران بأنه لا توجد شبكة أمان. وعندما تعتقد دولة أن خصمها قادر على الضرب في أي لحظة، يصبح الاستعداد للأسوأ أو حتى المبادرة خيارًا عقلانيًا.
في منطقة مشبعة بالسلاح، والميليشيات، والخطوط الحمراء، وصراعات متداخلة، هذه الدينامية شديدة الانفجار. حادث بحري، “ضربة استباقية” كما يقول الصهاينة، هجوم يُنسب خطأ أو صوابًا إلى إيران، قد يشعل سلسلة تفاعلات لا أحد يستطيع لاحقًا السيطرة عليها.
ربما لا يريد أحد الحرب. لكنها أصبحت ممكنة. وفي نظام كهذا، مجرد كونها ممكنة هو في حد ذاته هزيمة للدبلوماسية.
ما تكشفه هذه الأزمة عن النظام العالمي الجديد
المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ليست نزاعًا إقليميًا تقليديًا. إنها أحد أول الاختبارات الكبرى للعالم الذي يتشكل بعد أفول النظام الدولي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة.
على امتداد عقود، كانت الأزمات الكبرى تُدار عبر آليات متعددة الأطراف، اتفاقات، قنوات اتصال، وتوازنات ضمنية. اليوم، هذه الحواجز تتآكل. يمكن لوم ضعف أوروبا أو تواطؤ قوى آسيوية، لكن الحقيقة أن القوى الكبرى باتت تتحرك أكثر فأكثر وفق مصالحها الآنية، متجاوزة أو مفرغة المؤسسات التي أُنشئت أصلاً لتنظيم النزاعات.
في هذا السياق، السياسة الأمريكية تجاه إيران ليست استثناءً، بل نموذجًا. إنها تعكس عودة صريحة لسياسة القوة. العقوبات، الضغوط العسكرية، والتهديدات العلنية حلّت محل أطر التفاوض التي بُنيت بصبر. لم يعد المنطق هو التفاهم، بل العنف ورغبة الاخضاع.
أمام هذا التحول، لم يبقَ أمام القوى الإقليمية هامش كبير للمناورة. إما الاصطفاف، أو محاولة المقاومة، أو التلاعب بين الكتل. إيران اختارت المقاومة الاستراتيجية، مستندة إلى شبكاتها وقدرتها على إرباك محيطها. ومن الواضح أن السعودية وباكستان تسيران في الاتجاه نفسه. دول أخرى، أضعف، لا تملك هذا الهامش.
هذا النظام الجديد أكثر قسوة، لكنه أيضًا أكثر هشاشة. لم يعد قائمًا على قواعد مشتركة، بل على موازين قوة متحركة. وكل أزمة تحمل في داخلها احتمال التحول إلى لحظة كسر. ما يجري اليوم حول إيران يوضح ذلك عمليًا. عندما تعتقد قوة عظمى أنها تستطيع فرض إرادتها بالخوف، فإنها تفتح الباب أمام تفاعلات تتجاوز نواياها. في نهاية المطاف، ترامب لا يسعى إلا إلى حماية المصالح الأمريكية، مهما كثرت القراءات ونظريات المؤامرة.
لم يعد السؤال من على حق، ومن يخدم من. يكفي أن نفهم أن “النظام” نفسه أصبح مستباحا.
الشرق الأوسط أمام خط صدع تاريخي
التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لن يُغلق كما أُغلقت أزمات سابقة. حتى لو تم تفادي الحرب، لن تعود المنطقة إلى توازنها القديم. خط صدع رُسم، وهو يمر اليوم في قلب الشرق الأوسط.
من جهة، قوة أمريكية لم تعد تبحث عن الاستقرار ونهب الموارد الطبيعية، بل عن فرض الأمر الواقع. ومن جهة أخرى، دول وحركات لا تجد أمام هذا المنطق إلا خيارين: الخضوع أو التصلّب. إيران اختارت بوضوح الطريق الثاني، وهذا الاختيار يجرّ وراءه جزءًا من الإقليم.
الدول العربية، الأسواق، والمجتمعات تشعر بهذه النقلة. تدرك أن زمن كانت فيه القوى الكبرى تضمن، ولو بشكل ناقص، حدًا أدنى من القابلية للتوقع، يوشك أن ينتهي. ما يأتي بعده أكثر غموضًا، أكثر عنفًا، وأقل قابلية للتفاوض.
حتى لو نجحت الوساطات وبدأت محادثات، فالرسالة وصلت: القوة باتت تعلو على القانون. هذا سيترك أثرًا طويل الأمد على طريقة تفكير دول الشرق الأوسط في أمنها، تحالفاتها، وبقائها.
السؤال لم يعد فقط هل ستندلع حرب بين الولايات المتحدة وإيران. في النهاية، أي حرب ستعني قصفًا وضغوطًا يدفع المدنيون ثمنها أولًا. السؤال الحقيقي هو: في أي عالم ستضطر هذه المنطقة إلى العيش بعد هذه الأزمة؟ عالم تسويات هشة، تهديدات دائمة، وأطرافمجبرة على اختيار معسكراتها. في عالم كهذا، السلام لا يكون حالة مستقرة. يكون مجرد هدنة.


