الكاتب و المحلل السياسي نزار الجليدي يكتب/ ليبيا بعد القذافي: صمت مشحون بالكلام - صوت الضفتين

الكاتب و المحلل السياسي نزار الجليدي يكتب/ ليبيا بعد القذافي: صمت مشحون بالكلام

 

نزار الجليدي يكتب حول مشروع قانون إلغاء عقوبة السجن في قضايا الشيكات بدون رصيد.

لم تنفجر ليبيا عقب اغتيال سيف الإسلام القذافي مطلع فيفري. لم تدخل في موجة اقتتال جديدة، بل تجمّدت. هذا الجمود السياسي-الأمني، الأكثر إثارة للقلق من انفجار دموي سريع، يكشف عن عملية إعادة تشكيل عميقة تجري تحت السطح داخل موازين القوى الليبية. نفوذ خليفة حفتر يتعزّز تدريجيًا، عبد الحميد الدبيبة يتمسّك بموقعه التنفيذي لكنه يبدو أضعف سياسيًا، والجنوب يراقب الوضع بقلق. المعادلة الليبية تبدّلت فعليًا — بهدوء، لكن بكلفة مستقبلية غير محسومة.

الدول المنقسمة لا تتصرّف وفق التوقعات المسبقة. عندما اغتيل سيف الإسلام في الزنتان، سادت تقديرات تُنذر بانفلات شامل: تعبئة مسلحة من قبائل الجنوب، استنفار الميليشيات ، إعادة إحياء خطوط الإنقسام القديمة. لم يحدث شيء من ذلك، على الأقل في الواجهة. لم تمتلئ الشوارع، ولم تنهَر التحالفات بين ليلة وضحاها. لم تسقط الدولة الهشّة. لكنها دخلت في حالة ترقّب مشحون.

غير أن هذا الهدوء الظاهري خادع. فمقتل الابن الأكبر للقذافي لا يُختزل في حادث أمني ضمن سلسلة اغتيالات سياسية. إنه أزاح من المشهد ورقة مختلفة: احتمال مسار سياسي ثالث، لا يرتبط بالكامل بمحور الشرق بقيادة خليفة حفتر، ولا يذوب داخل توازنات طرابلس الهشّة والمركّبة. وجوده كان يربك الحسابات لأنه كان يفتح منفذًا سياسيًا غير تقليدي داخل أزمة انسدت مساراتها. غيابه يجعل الصورة أبسط. لكن في ليبيا، كل تبسيط سياسي يُضاعف مستوى التوتر بدل أن يُقلّصه.

في بنغازي، تبدو “القيادة العامة” أكثر تمركزًا. حفتر لم يُصدر بيان انتصار، ولم يكن بحاجة إلى ذلك. في نظام تُحدّد فيه شرعية النفوذ بقدرة التحكم في السلاح وسلسلة القيادة، فإن إزالة قطب رمزي منافس تعني عمليًا تعزيز مركز الثقل في الشرق وإعادة المشهد إلى منطق القوة الصلبة. في المقابل، يواصل خطاب طرابلس التركيز على توحيد الميزانية والإدارة المالية، بينما القاعدة السياسية التي يستند إليها هذا الخطاب ما تزال مفككة.

المشهد الأكثر أهمّية يوجد في الجنوب. لا انتفاضة واسعة، ولا انقسام قبلي حاد. فزان تلتزم الصمت (أو بالأحرى الحداد). غير أن هذا الصمت ليس فراغًا سياسيًا، بل هو موقف محسوب مثقل بالإرهاق والخسائر. المكونات القبلية الكبرى، التي استنزفتها سنوات الحرب والاقتصاد الموازي وتقلّبات موازين القوى، تراقب وتقدّر التوقيت. فهي تدرك أن الدورة السياسية المقبلة لن تُحسم فقط في طرابلس أو بنغازي، بل في قدرتها الشخصيّة على التدخل في اللحظة المناسبة.

منذ اغتيال سيف الإسلام، لم تدخل ليبيا حربًا جديدة. لكنها دخلت مرحلة إعادة تموضع هادئة. لم يعد السؤال الأساسي من ضغط على الزناد — فملف التحقيق يبدو معتما إلى أجل غير مسمّى — بل أي شكل من أشكال النظام السياسي يمكن أن يتكوّن في بيئة تُعاد فيها صياغة موازين القوى بصمت، لكن تحت ضغط مستمر.

 

نهاية “مسار القذافي”: معادلة سياسية أكثر بساطة

 

لم يكن سيف الإسلام القذافي صاحب سلطة تنفيذية. لكنه كان يحمل إمكانية سياسية قائمة بذاتها. خيارًا انتخابيًا عابرًا للاستقطاب التقليدي، قادرًا على استثمار الحنين إلى دولة مركزية قوية، وعلى إرباك حسابات القطبَين المهيمنَين وداعميهما الإقليميين والدوليين.

وجوده وحده كان عنصر عدم يقين داخل المشهد. في حال إجراء انتخابات رئاسية، كان بوسعه استقطاب شريحة من الناقمين على فوضى ما بعد 2011، من دون أن يندمج بالكامل في البنية العسكرية للشرق، أو أن ينخرط في تسويات طرابلس المسلحة. لم يكن مشروعًا سياسيًا متكاملًا بقدر ما كان رمزًا ذا حمولة ثقيلة. وفي ليبيا، للرموز وزن يتجاوز البرامج.

إغتياله أغلق هذا الاحتمال. عاد المشهد إلى ثنائية أكثر وضوحًا: شرقٌ يتمحور حول خليفة حفتر وأبنائه وجهازهم العسكري، وغربٌ تقوده سلطة مدنية تستند إلى تحالفات مسلحة متغيرة وإلى دعم دولي متذبذب. وبين القطبين، يضيق الهامش السياسي.

غير أن هذا الاختزال لا يعني وضوحًا أكبر، بل يعني توترًا أعلى. النظام الثلاثي الأقطاب كان يسمح بهوامش مناورة، وبمفاوضات مثلثة، وبإعادة ضبط التوازنات عند الحاجة. أما ثنائية الكتل فتدفع غالبًا نحو المواجهة المباشرة أو نحو تجميد طويل الأمد. تجد ليبيا نفسها اليوم أمام خيار غير واضح: تثبيت نموذج عسكري مهيمن من جهة، أو استمرار جمود سياسي مُجزّأ من جهة أخرى.

اغتيال شخصية كانت قادرة على خلط الأوراق جعل المشهد (للأسف) أكثر قابلية للقراءة، لكنه جعله أيضًا أكثر صلابة وأقل مرونة. وسيف الإسلام ليس السياسي الوحيد الذي أُبعد بهذه الطريقة خلال الأشهر الأخيرة. قبله، في أواخر ديسمبر، توفي محمد الحداد في ظروف أثارت تساؤلات واسعة. وعند جمع هذه الوقائع ضمن سياق واحد، تبدو موازين القوى الناتجة عنها أقرب إلى تعزيز موقع حفتر مقارنة بسائر الفاعلين السياسيين الليبيين.

 

حفتر: تمركز متجدد دون قرع الطبول

 

لم يحتفل خليفة حفتر باغتيال سيف الإسلام القذافي. لم يُصدر تعليقًا، ولم يكن بحاجة إلى ذلك. السرديات الإعلاميّة الدولية تكفّلت ببقية الرسالة. في ليبيا اليوم، الصمت المدروس قد يُترجم إلى مكسب سياسي.

منذ اغتيال سيف الإسلام، يبدو الشرق الليبي القطب الوحيد الذي يمتلك بنية سلطوية متماسكة نسبيًا: سلسلة قيادة واضحة، جهاز أمني منظم، امتدادات قبلية مستقرة. هذا الواقع ليس جديدًا بالكامل. الجديد هو غياب منافس رمزي كان قادرًا على استقطاب جزء من القاعدة الاجتماعية التي تحن إلى نموذج الدولة المركزية الصارمة. بهذا المعنى، تتبسط معادلة الرئاسة المحتملة تلقائيًا.

حفتر يصبح أكثر حضورًا في المعادلة السياسية، من دون أن يربح شرعية انتخابية أو تفويضًا شعبيًا جديدًا. ما استفاد منه هو إعادة ترتيب المشهد، لا صندوق الاقتراع. في بعض الدول المجاورة، ولا سيما مصر، تراجع الحديث عن “انتقال سياسي شامل” لصالح خطاب “أكثر واقعية حول الاستقرار والأمن”. الفارق بين التعبيرين ليس لغويًا فحسب؛ إنه يعكس تحوّلًا في أولويات المقاربة الإقليمية.

داخل الساحة الليبية، الحسابات أكثر مباشرة: من يضمن الأمن الفعلي؟ من يسيطر على المجال الجغرافي؟ من يملك أدوات فرض الحد الأدنى من الانضباط؟ ضمن هذا الإطار البراغماتي، يبقى حفتر الفاعل الوحيد الذي يملك قوة عسكرية منظمة على نطاق واسع. هذا لا يعني اصطفافًا أيديولوجيًا خلف مشروعه، بل يعكس نزعة نحو الاستقرار بأي صيغة قابلة للتطبيق، رغم أن معسكره كان طرفًا رئيسيًا – بل سببا – في حربين أهليتين بعد 2011.

غير أن هذا التموضع المتجدد لا يرقى إلى انتصار شامل. بنغازي تواجه ضغوطًا اقتصادية داخلية، وتوازنات قبلية حساسة، واعتمادًا مستمرًا على المعادلات الإقليمية. لكن في مشهد تقلّصت فيه البدائل السياسية، تتحول القدرة على الصمود والاستمرار إلى أفضلية استراتيجية بحد ذاتها.

في ليبيا، لا ينتصر دائمًا من يُقنع. غالبًا ما يرسخ موقعه من يستطيع البقاء. حتى الآن، أظهر عبد الحميد الدبيبة من جهته قدرة لافتة على المناورة والبقاء. غير أن السؤال المفتوح يبقى: إلى متى يمكن أن تستمر هذه القدرة في بيئة تضيق فيها الخيارات وتتصلّب فيها المعادلات؟

 

طرابلس تتحدث عن الموازنة… وليبيا تبحث عن التوازن

 

في طرابلس، ما يزال الخطاب الرسمي تقنيًا في جوهره: توحيد الموازنة العامة، إصلاحات مالية، استقرار نقدي. على الورق، تبدو الأجندة منطقية ومنضبطة. غير أنها تتحرك فوق أرضية سياسية متشققة، حيث تعجز الأدوات الإدارية عن معالجة أصل الخلل السلطوي.

عبد الحميد الدبيبة يواصل الدفاع عن إدارة مالية موحّدة باعتبارها شرطًا أساسيًا لإنهاء الانقسام المؤسسي للدولة. والحجة في ذاتها متماسكة: من دون ميزانية وطنية موحدة، يصعب تثبيت سعر الصرف، وضبط الإنفاق العام، واستعادة قدر من الثقة الاقتصادية. غير أن الموازنة، مهما بلغت دقتها، لا تُنتج شرعية سياسية. يمكنها أن تدعمها، لكنها لا تعوّضها. ويزداد هذا التحدي تعقيدًا مع اتساع نفوذ حفتر في قطاع النفط، بما يحمله ذلك من قدرة على التأثير في المعادلة المالية للدولة.

المنطقة الغربية تبقى بدورها رهينة تحالفات مسلحة متغيرة. المجموعات المسلحة لا تمارس الحكم رسميًا، لكنها تظل عاملًا حاسمًا في توازن القوى. كل تسوية أمنية ظرفية تُضعف سلطة الدولة المدنية، وكل احتكاك محلي يعيد التذكير بأن أدوات القوة لا تخضع بالكامل لمؤسسات مركزية مستقرة.

وفاة محمد الحداد واغتيال سيف الإسلام لم يُعززا موقع طرابلس. على العكس، أزالا عنصرين كانا يساهمان — بطرق مختلفة — في توازن المشهد، من دون أن يوفرا بديلًا واضحًا. هذا السياق حرم الغرب الليبي من فاعل كان يمكن احتواؤه سياسيًا أو إدماجه ضمن عملية انتخابية موسعة. كما ضيّق هامش أي حوار شامل كان من الممكن أن يستوعب أطرافًا متباينة، بما في ذلك شخصيات مكروهة من شق واسع من الّيبيين. فضلاً عن أن الرهان على تقارب شرق-غرب برعاية دول الجوار، وهو مسار كان الحداد يمثّل أحد عناوينه، تراجع إلى الخلف.

الحكومة تتحدث عن الإدارة والانضباط المالي. الشارع السياسي يتحدث عن البقاء. الفجوة بين الخطابين تتسع.

طرابلس قادرة على تسيير المؤسسات. لكن الدبيبة لا يزال يواجه صعوبة في تجسيد أفق سياسي جامع يمتد إلى كامل التراب الليبي.

 

الجنوب الليبي: سكينة لا فراغ فيها

 

توقّع كثيرون انقسامات حادة. تخيّلوا عصابات مسلحة، اصطفافات قبلية متقابلة، وعودة شعارات قديمة للإنقسام إلى الواجهة. لم يحدث شيء دراماتيكي. لم تشتعل فزان. بل اكتفت بالمراقبة. غير أن هذا الصمت ليس حيادًا ولا لا مبالاة. إنه موقف مدروس. المكونات القبلية الكبرى في الجنوب دفعت ثمنًا باهظًا منذ 2011: جولات اقتتال متقطعة، شبكات تهريب مسلّحة، مسارات هجرة جرى توظيفها سياسيًا، واقتصاد موازٍ تحول من خيار إلى ضرورة معيشية. هذه المكونات تدرك أن أي انفلات أمني غير محسوب سيقوّض توازناتها الهشة قبل أن يمسّ خصومها.

منطق الجنوب يختلف عن منطق طرابلس أو بنغازي. الأولوية هنا ليست خطابية ولا أيديولوجية، بل تشغيلية وأمنية. من يؤمّن المحاور الحيوية؟ من يضمن تدفّق الوقود والبضائع؟ من يمنع إعادة عسكرة المدن الحدودية؟ الإجابات على هذه الأسئلة هي التي تحدد الاصطفافات الفعلية.

منذ اغتيال سيف الإسلام القذافي، لم تُعلن أي قبيلة رئيسية تعبئة شاملة. لا اصطفاف علنيًا مع الشرق، ولا قطيعة مفتوحة مع الغرب. هذا التريث يعكس انتظار توازن قوى أكثر استقرارًا. الجنوب لا ينحاز قبل أن يتضح من يملك زمام المبادرة فعليًا — وحتى عندها، يبقى القرار مشروطًا بالحسابات المحلية. ثقة سكّان فزّان بالقذافي كانت إيمانا به كرمز أكثر من كونها يقينا في المستقبل.

بعض التحليلات الخارجية تفسّر هذا الصمت باعتباره تهميشًا سياسيًا. القراءة أدقّ من ذلك بكثير. في ليبيا، يكتسب الجنوب ثقله عندما يختار التوقيت المناسب. وهو نادرًا ما يتحرك تحت ضغط اللحظة.

فزان لا ترفع صوتها. بل تراجع المعادلات. وعندما تقرر التحول — لأن التحول سيأتي في مرحلة ما — ستتغير موازين القوى الوطنية بشكل حاد. في المشهد الثنائي المتشكل اليوم، قد تتحول القبائل الجنوبية إلى عامل ترجيح حاسم يعيد خلط الأوراق بالكامل.

 

حلّ سياسي إقليمي : رفعت الأقلام وجفت الصحف

 

ليبيا لا تتحرك يومًا داخل فراغ جيوسياسي. كل اختلال داخلي ينعكس فورًا على محيطها المباشر. قبل أيام قليلة من اغتيال سيف الإسلام القذافي، حاولت تونس والجزائر ومصر إعادة تفعيل آلية تشاور ثلاثية لإطلاق مسار ليبي–ليبي جامع، يقود إلى انتخابات وتوحيد المؤسسات السيادية. الرهان كان واضحًا: تقليص هامش التدخلات الخارجية، وبناء إطار إقليمي داعم للاستقرار.

اغتيال سيف الإسلام لا يُسقط هذا المسار، لكنه يعيد صياغة شروطه. أي تسوية سياسية ذات مصداقية كانت تفترض إشراك مختلف الحساسيات، بما في ذلك الأطراف المرتبطة بالنظام السابق. إقصاء شخصية كانت قادرة على تجميع جزء من هذا المزاج الانتخابي يجعل المعادلة أضيق. تبدو أبسط نظريًا، لكنها تصبح أكثر هشاشة عمليًا. على سبيل المثال : من اليوم يمثّل القذاذفة؟

قد يبدو المشهد الثنائي الجديد مغريًا لبعض الوسطاء: التفاوض مع قطبين بدل ثلاثة. غير أن هذا التصور ينطوي على قدر من التبسيط المضلل. فليبيا ليست اختزالًا لطرابلس وبنغازي. هي شبكة معقدة من الولاءات المحلية، والبُنى القبلية، والاقتصادات الموازية، لا تنضبط بالضرورة لقوالب الوساطة الدبلوماسية، خاصة بعد سنوات من التعثر وخيبات الأمل.

السؤال الحقيقي لا يتعلق بموت المبادرة الإقليمية، بل بقدرتها على التكيّف مع بيئة أعيد تشكيلها. أي انتقال سياسي يتجاهل الجنوب، أو يراهن فقط على مواجهة شرق/غرب، سيبقى انتقالًا ناقصًا ومهددًا بالانهيار. هذا درس يتكرر في الحالة الليبية، لكنه نادرًا ما يُستوعب بالكامل في المقاربات الغربية.

ليبيا تدخل مرحلة إعادة تموضع هادئة. لا معركة فاصلة، ولا مؤتمر حاسم. بل تعديلات تدريجية، حسابات دقيقة، وتحالفات يعاد تقييمها بصمت. الهدوء الحالي ليس استقرارًا. إنه مرحلة انتقالية مشدودة. والتجربة الليبية الحديثة تُظهر أن التحولات التي تتم في صمت غالبًا ما تمهد لأعمق الانعطافات.

 

أي أفق سياسي في دولة تحبس أنفاسها؟

 

ليبيا ليست في حرب مفتوحة. وليست في حالة سلم مستقر. هي في وضع معلّق. اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يؤدِّ إلى انهيار شامل. لكنه أزال قطعة من المشهد. وأحيانًا، إزالة قطعة لا تُسقط الصورة فورًا؛ بل تجعلها أكثر تصلبًا. أكثر قابلية للتوقع. وربما أكثر خطورة.

ثلاثة مسارات تلوح في الأفق.

المسار الأول يتمثل في ترسيخ تدريجي لهيمنة الشرق ضمن نموذج عسكري سلطوي واضح المعالم، مع ما يمكن تسميته تطبيعًا إقليميًا براغماتيًا، قد يجد دعمًا من القاهرة. هو خيار الاستقرار عبر القبضة الأمنية، مقابل هامش محدود للتعددية السياسية.

المسار الثاني هو استمرار حالة الجمود. طرابلس تدير الشأن الإداري، بنغازي تمسك بمفاصل القوة، والجنوب يوازن بصمت. لا انتخابات فعلية، ولا توحيد مؤسسي كامل. دولة تعمل بالحد الأدنى، وتتوقف كلما اهتز التوازن.

أما المسار الثالث فهو الأقل قابلية للتنبؤ: إعادة تشكيل تنطلق من الأطراف. اصطفاف قبلي جديد، تحالف غير متوقع، أو بروز طرف ثانوي في لحظة فراغ. السياسة الليبية اعتادت أن تفاجئ من ظنوا أن مسارها محسوم.

حتى الآن، لا سيناريو حسم المعادلة. خليفة حفتر يعزز موقعه من دون احتكار كامل للمشهد. حكومة طرابلس تواصل الإدارة من دون أفق سياسي واضح. الجنوب يترقب. الدول المجاورة تراقب. والقوى الدولية تعيد حساباتها.

لم يعد السؤال من ضغط على الزناد. السؤال من سيصوغ المرحلة التالية. ليبيا لم تنزلق إلى الفوضى. لكنها دخلت طورًا أكثر برودة، وأكثر حسابًا. بلد تُعاد فيه صياغة التحالفات من دون بيانات رسمية، وتتحرك فيه موازين القوى من دون ضجيج. وفي هذا الصمت، تبقى كلّ الاحتمالات مفتوحة.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

French