الكاتب والمحلل السياسي نزار الجليدي:البرلمان التونسي: صخبٌ كثير… عملٌ قليل!!

مع بدء مناقشة ميزانية 2026، يستعيد مجلس نواب الشعب عاداته القديمة: صراخ علىالمباشر، مناوشات شخصية، وتصريحات مرتجلة. في لحظة تتطلب قرارات ثقيلة، يناقش للواجهة فقط، ثم يصوّت دون فهم. بعد عشر سنوات من فوضى المشهد البرلماني السابق، يبدو أن الدرس لم يُستوعَب.
يقال كثيرًا إن تونس لم تحظَ بالطبقة السياسية التي تستحقها. ما نشهده منذ أيام حول ميزانية 2026 شاهد إضافي: أمام أزمة اقتصادية خانقة، يكثر النواب من الخطب عن مستقبل البلاد، لكنهم يعجزون عن إنتاج نص واحد ذي قيمة. عشرية 2011–2021 كانت تحذيرًا صريحًا: إسهاب في الخصام بلا جدوى، اعتداءات بالعنف تحت القبة، شلل دائم، ومساومات عقيمة.
الهندسة المؤسسية الجديدة أعادت السلطة التشريعية إلى دورها الطبيعي: الفحص، الاستماع، التصويت. لا مشكلة في ذلك. الإشكال الحقيقي في مكان آخر: عجز الكتل البرلمانية عن تولّي ما تبقّى لها من مهام—وفي مقدمتها تحديث التشريعات الكبرى. لا شيء يتغيّر: الجهد ينصبّ على استعراض مزاج النوّاب، فيما تغرق النقاشات التقنية في الثرثرة.
لكن الظرف يفرض غير ذلك. البلاد تمرّ بصدمة مالية هائلة، وسط حاجات اقتراض عالية ونظام مصرفي يمتص جزءًا متزايدًا من التمويل العمومي. في هذه المعادلة الدقيقة، كان يفترض أن يكون دور البرلمان واضحًا: توثيق، مساءلة، تعديل. لكنه يفضّل الأحاديث الجانبية، المقاطع المحسوبة، والمبارزات الشخصية.
المسألة ليست شكلية. إنها نقصٌ في المسؤولية.
طبقة سياسية تتحرك… ثم تنحني
الجلسات العلنية المخصّصة لمناقشة ميزانية تونس لسنة 2026 قدّمت خلاصة لكل ما اعتقدنا أننا تجاوزناه: سجالات صاخبة، مشادات تُصوَّر بالهاتف، وخطب فردية تبحث عن الشهرة. صور أعادت ذكريات ضوضاء المجالس السابقة… تآكلت معها ثقة الناس، ومهّدت—بصمت—لانهيار النظام البرلماني تحت وطأة السأم الشعبي.
لم يتغير شيء تقريبًا. غضب واستعراض وتسجيل حضور على المنصات الالكترونية، ثم في النهاية—وبكبسة زر—الموافقة على النص القادم من الحكومة. لا أحد يطالب البرلمان بوضع برنامج اقتصادي كامل؛ لكن من حقّ التونسيين أن يُطالَب النواب بنقاش جدي حول الجوهر.
الخيط واحد: ادّعاء القطيعة، ثم العودة إلى الصف. النتيجة: طقس رتيب، كلٌ فيه يحفظ ماء وجهه… ولا شيء يُنتَج فعليًا.
ظلّ الأمس… والفرص الضائعة
عشرية 2011–2021 قدّمت فرصة نادرة: إعادة كتابة قواعد اللعبة السياسية، ترميم الثقة، وبناء ثقافة برلمانية متينة. بدل ذلك، تحوّل المشهد إلى مسرح دائم: صدمات مدروسة، مناوشات فارغة، وتحالفات هشة (فاسدة؟). مشاهد الاشتباك في اللجان، والسباب تحت القبة، والانسدادات المتواصلة أفرغت فكرة التمثيلية البرلمانية من معناها. خرج الناس مرهقين، متوجسين، مستعدين لطيّ الصفحة.
كان يمكن لهذه التجربة القريبة تاريخيا أن تكون أساسا لما لا يجب فعله. لكن لم تُخلّف إلا غريزة واحدة: تفشّي الرمزية… بلا مشروع فعلي. والدليل أمامنا: في لحظة باتت فيها المبادرة التشريعية في يد الحكومة، كان بوسع البرلمان أن يعوّض فراغ جدول أشغاله بجودة عمله. لكنه لا يفعل.
الملفات الأكثر جوهرية ما تزال معلّقة. تحديث القانون الجزائي، المُعلن عنه منذ سنوات، لا يتقدم. تدوين المراسيم والقوانين الأساسية يتعثر، إلى حد أنّ المواطن لم يعد يعرف ما الذي ما يزال ساريًا. النصوص المدنية والإجرائية تستحق مواءمة مع دستور 2022؛ لا أحد يتعرّض لذلك بجدية.
الذريعة الأسهل: “القرار عند السلطة التنفيذية، والبرلمان يتبع”. قراءة مريحة… لكنها خاطئة. لا شيء يمنع النواب من استخدام ما بقي لهم من صلاحيات: اقتراح، تأطير، توضيح. بإمكانهم توظيف خبرتهم القانونية، فرض نقاش صارم حول توازنات المالية العمومية، أو الإهتمامبتحديث النصوص التي تنظّم حياة التونسيين. لا شيء من هذا يحدث.
بدل ذلك، يتراجع البرلمان إلى موقع ثانوي يبدو مرتاحًا فيه. يحتمي بظرفية الأزمة الإجتماعية لتبرير سكونه، ويكتفي بالمصادقة على قوانين لم يشارك في صياغتها.
ذاكرة النظام البرلماني السابق كان يفترض أن تكون رادعًا. لكنها لا تفعل سوى تذكيرنا بإغراء الضجيج وغياب الإصلاح. عشر سنوات كانت كافية لتبيّن أن الصخب لا يعوّض عملًا ولا رؤية. ومع ذلك، يعود المشهد ذاته: البرلمان مسرح… لا ورشة عمل.
برلمان يناقش كل شيء… إلا ما يهم عمله
داخل القاعة، تبدو المداخلات أشبه باعترافات علنية: حكايات جانبية، غضب صاخب، شعارات… ثم صمتٌ حين ينطلق الحديث عن الأرقام والآليات. مشهد مناقشة ميزانية 2026 قدّم صورة مكتملة: انشغال بالتفاصيل الثانوية، وتجاوز سريع للأسئلة الجوهرية: من يموّل ميزانية الدولة؟ وبأي كلفة؟ وبأي أثر على الاقتصاد الحقيقي؟
لبّ المسألة بسيط: تونس تواصل تمويل نفسها أساسًا من السوق الداخلية، مع دور متزايد للقطاع البنكي الوطني ولتدخلات مباشرة من البنك المركزي. هذه الديناميكية تشكّل سؤالًا ملحًا. فهي من جهة تقلّل الاعتماد على الشركاء الأجانب، لكنها من جهة أخرى تُنشئ دائرة مغلقة: الدولة تقترض من قطاع لا يميل أصلًا لتمويل الاقتصاد المنتج. العلاقة بين البنوك التجارية والبنك المركزي تستحق نقاشًا جديًا… لكنها لا تنال سوى ملاحظات عابرة.
أخطر من ذلك، يتجاوز النواب بسرعة ملف الطاقة. خفض الدعم ليس قرارًا حسابيًا عابرًا: إنه يحدد فاتورة العائلات مستقبلًا، ويؤثر على تنافسية الصناعة وعلى الاستقرار الاجتماعي. كان يمكن انتظار سيناريوهات، مقترحات مرافقة، أو حتى نقاشًا مختصرًا. ما نراه: حجج عامة، متسرّبة، بلا سند.
الملف الدبلوماسي بدوره يُلامس بخفة. تونس تقف بين دوائر تعاون متعددة. لم تنخرط بوضوح في تنويع شراكاتها الاقتصادية، ولم تثبّت في المقابل ما تعتبره أولوية. النتيجة: خطاب ضبابي يوحي بسياسة خارجية تُدار تحت ضغط اللحظة. ضباب يؤدي إلى إرباك النقاش حول التمويلات الخارجية: كيف يتم إعلام المواطن وهو لا يعرف مع من نتعامل… وعلى أي أساس؟ أليس ذلك جوهر دور النواب؟
كان يمكن للبرلمان أن يكون مركز ضبط. كان بوسعه مطالبة الحكومة بالتفسير، باستجواب الوزارات، بفرض روزنامة. كان يمكن أن يبادر ويقترح قوانين تهيّئ الإطار: جباية، تحفيزات قطاعية، إصلاح بنكي. لا شيء من ذلك يحدث. التدخلات تنشغل بتوصيف الجو الاقتصادي… دون اقتراح أداة واحدة لتحسينه.
هكذا، لا يقتصر الخلل على المستوى المؤسسي. فهو يمنع البلاد من امتلاك فضاء تشريعي ناضج قادر على مرافقة أي أمل للخروج من الأزمة الإقتصادية.
أين المسؤولية؟
من السهل الاعتقاد أن ما نراه اليوم في مجلس نواب الشعب مجرد انزلاق عابر. الحقيقة أنه امتداد لعقد كامل من ممارسات رسّخت اللامسؤولية السياسية كمنهجية عمل. بين 2011 و2021، رأى التونسيون المجلس التأسيسي ثم البرلمان يتحوّلان إلى سرك، يُصارَع فيه على الميكروفونات لا على الأفكار. الثمن كان باهظًا: الثقة انهارت، الاقتصاد تباطأ، والمؤسسات سقطت تحت ثقل التهريج.
كان يفترض أن تكون التجربة درسًا. لكن لم تُنتج إلا جيلًا جديدًا من المعلّقين يجلسون في مقاعد النيابة. أصوات مرتفعة… وثقل سياسي ضعيف. يندّدون—أحيانًا بحق—لكنهم نادرًا ما يقترحون، أو لا يقترحون أبدًا.
خلال نقاش قانون المالية، ظهر كل ذلك بوضوح. غضب، بلاغة أحيانًا، لكن دون أن يتحمّل أحد مسؤولية طرح موقف متكامل. لا مقترحات بديلة، لا تعديلات جدية، لا محاولة لرسم وجهة. كلامٌ فقط… وتصويت محسوم سلفًا.
الانقسامات الداخلية في المجلس لم تعد سياسية، بل عروشية وشخصية وسطحية. الخلاف بين أحمد سعيداني ومحسن مرزوق أقرب للمشادّة منه للسياسة. أما بين فاطمة مسدي وسيرين مرابط، فالنقاش لا يتجاوز مستوى عراك الديكة. وكل ذلك يحدث في بلد تُرهقه الأسعار، وتبحث فيه الشركات عن استقرار ضريبي، وتصبح فيه مسألة التمويل مسألة وجود.
التناقض صارخ: تونس تعيش أسوأ أزماتها منذ الاستقلال… والبرلمان يتشاجر. فقد ينتظر المرء من النواب—ناهيك عن الطبقة السياسية عمومًا—تعويض هشاشة النقاش العلني بعمل جدي في اللجان: إصلاحات عميقة، رقابة دستورية، دفع لمسارات التطبيق. لكن الصمت هو السائد. النصوص العاجلة تنتظر. القانون الجزائي معلّق. تحديث القانون المدني يتأجل. تعصير الإجراءات لا يتقدم.
نعود للسؤال الذي يتجنبه الجميع: إذا كان البرلمان لا يشرّع… فما دوره؟
يبدو أن بعض النواب يملكون الإجابة: أن “يحيروا إسمهم“. أن يحجز بعضهم موقعًا تحسّبًا ليوم قد يتبدّل فيه المشهد.وتلك، ربما، أخطر المفارقات: في لحظة تحتاج إلى شجاعة واقعية… يتنظم المشهد السياسي حول حذر انتهازي.
تونس ليست بلدًا طائشًا. عاشت أزمات سياسية ومالية واجتماعية، وما تزال واقفة بفعل خليط من صمود الناس، ومتانة مؤسسات، وقدر من الحس العملي. لا شيء في تاريخها القريب يشبه الهروب إلى الأمام.
المثير للإنتباه—والمقلق—أن أحد الفضاءات القليلة التي تستوجب الجدية تحوّل إلى ديكور.البرلمان يتكلم، يستمع لنفسه، يردّ… لكنه لا يبني.
النواب يندّدون اليوم بما سيصوتون له غدًا.
الخصومات تأخذ مكان الأفكار، والذوات تحل محل البرامج.
البلاد تحتاج حلولًا—تهرّم القانون يذكّر بذلك، و تآكل الاقتصاد أنهك المواطنين. لكن المجلس يبدو متمسكًا بالحركة من أجل الحركة. باستعادة أسوأ عيوب العقد الماضي: الارتجال، الخصومة المصطنعة، والتنديد بلا عمل يرافقه.
ليس المطلوب تمجيد السلطة التنفيذية أو إعفاءها. لكن أمام ضخامة التحديات، لا يمكن للمعارضة البرلمانية أن تستمر في لعب دور الكومبارس. عليها أن تعمل، أن تقترح، أن تعارض بجدوى، وأن تشغل أخيرًا الموقع الذي خُصّص لها.
يبقى السؤال، بهدوء:هل تملك تونس الطبقة السياسية التي تستحقها؟
حتى الآن، الجواب يُكتب تحت قبة البرلمان… وتمظهراته مخيّبة للآمال.


